الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
286
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إظهارهم الإسلام لهم . وجملة الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ صفة للمنافقين وحدهم بدليل قوله : وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ . والتربّص حقيقة في المكث بالمكان ، وقد مرّ قوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ * في سورة البقرة [ 228 ] . وهو مجاز في الانتظار وترقّب الحوادث . وتفصيله قوله : فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ الآيات . وجعل ما يحصل للمسلمين فتحا لأنّه انتصار دائم ، ونسب إلى اللّه لأنّه مقدّره ومريده بأسباب خفيّة ومعجزات بيّنة . والمراد بالكافرين هم المشركون من أهل مكة وغيرهم لا محالة ، إذ لا حظّ لليهود في الحرب ، وجعل ما يحصل لهم من النصر نصيبا تحقيرا له ، والمراد نصيب من الفوز في القتال . والاستحواذ : الغلبة والإحاطة ، أبقوا الواو على أصلها ولم يقلبوها ألفا بعد الفتحة على خلاف القياس . وهذا أحد الأفعال التي صحّحت على خلاف القياس مثل : استجوب ، وقد يقولون : استحاذ على القياس كما يقولون : استجاب واستصاب . والاستفهام تقريري . ومعنى أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ألم نتولّ شئونكم ونحيط بكم إحاطة العناية والنصرة ونمنعكم من المؤمنين ، أي من أن ينالكم بأسهم ، فالمنع هنا إمّا منع مكذوب يخيّلونه الكفار واقعا وهو الظاهر ، وإمّا منع تقديري وهو كفّ النصرة عن المؤمنين ، والتجسّس عليهم بإبلاغ أخبارهم للكافرين ، وإلقاء الأراجيف والفتن بين جيوش المؤمنين ، وكلّ ذلك ممّ يضعف بأس المؤمنين إن وقع ، وهذا القول كان يقوله من يندسّ من المنافقين في جيش المسلمين في الغزوات ، وخاصّة إذا كانت جيوش المشركين قرب المدينة مثل غزوة الأحزاب . وقوله : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ الفاء للفصيحة ، والكلام إنذار للمنافقين وكفاية لمهمّ المؤمنين ، بأن فوّض أمر جزاء المنافقين على مكائدهم وخزعبلاتهم إليه تعالى . وقوله : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا تثبيت للمؤمنين ، لأنّ مثيل هذه الأخبار عن دخائل الأعداء وتألبهم : من عدوّ مجاهر بكفره . وعدو مصانع مظهر للأخوّة ، وبيان هذه الأفعال الشيطانية البالغة أقصى المكر والحيلة ، يثير مخاوف في نفوس المسلمين وقد يخيّل لهم مهاوي الخيبة في مستقبلهم . فكان من شأن التلطّف بهم أن يعقّب